محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
265
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وجود حجابه وإعراضه عن المعذّب فهذان الأمران بهما يقع النعيم والعذاب على التحقيق . ما تجده القلوب من الهموم والأحزان فلأجل ما منعت من وجود العيان . وجود الهموم والأحزان الدنيوية والأخروية من نتائج رؤية النفس واعتبارها وبقاء حظها ، وهو الذي منع العبد من وجود العيان ، فلو قد فنى عن رؤية نفسه وذهب عن مراعاة حظّه ، لظفر بوجود العيان ، ولم يكن له همّ ولا حزن البتة ، بل يكون متصل الحبور ، دائم الفرح والسرور ، كما قال تعالى لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] فالمعية المذكورة لا يجتمع معها حزن وهمّ ، وهي ما قلناه من وجود العيان ، والعيان ، واللّه أعلم ، درجة فوق درجة اليقين كما قال الشاعر : كبر العيان عليّ حتى أنه * صار اليقين من العيان توهما قال الشبلي ، رضي اللّه عنه : « من عرف اللّه لا يكون له غمّ أبدا » . وقيل : أوحى اللّه سبحانه ، إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : يا داود إنّ محبتي في خلقي أن يكونوا روحانيين وللروحانيين علم ، هو أن لا يغتموا وأنا مصباح قلوبهم ، يا داود ، لا يمزج اللهمّ قلبك فينقص ميراث حلاوة الروحانيين » وسيأتي في كلام المؤلف رحمه اللّه ( أوحى اللّه إلى داود عليه السلام : بي ، فافرح ، وبذكري فتنعم ) . فباستنارة القلب بنور المعرفة ، واحتظائه بوجود العيان والرؤية يخرج منه اللهم ، ويحلى محلّه الروحانية . على أنّ في وجود الهموم والأحزان لمن لم يبلغ هذا المقام ، إذا لم يقدر على دفعها عن نفسه ، فوائد جزيلة لا ينبغي أن تستحضر من قبل إنها موجبة لخمود النفس وصفاء القلب ، وزوال الأشر والبطر ، والفرح بالدنيا . ثم هي كفارات إن كانت في الأمور الدنيوية ، ودرجات إن كانت في الأمور الأخروية . والهمّ متعلق بما يكون في المستقبل * والحزن متعلق بما كان في الماضي من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك . وجدان الكفاية من الرزق وعدم الزيادة عليها والنقصان منها من نعم اللّه تعالى التامة الكاملة على العبد ؛ لما له في ذلك من حصول جميع المصالح الدينية والدنيوية ، أما مصالح الدين في عدم الزيادة على الكفاية فظاهر ؛ إذ لو وجدها ربّما أوجب له ذلك طغيانا ، كما قال تعالى : كَلَّا ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 7 ]